محمد الساعدي

20

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

يعوّقون حركة الانقلاب العامّ في أُمم الإسلام ، أو يعوّقون نهوض هذه الأُمم وعروجها في معارج الحضارة والعمران . كلّا ؛ إذ أنّ القوّة المادّية أصبحت اليوم بيد رجال السياسة ، وفي طاقة هؤلاء أن يذلّلوا بها كلّ صعوبة تعترض سيرهم مهما كان نوعها ! ولكن رجال الدين يرتابون في أن يكون الإسلام محتاجاً إلى إصلاح ، وكثيرون منهم يرون أنّ الكلام في إصلاحه لغو وباطل ؛ إذ أنّ الدين الإسلامي لم يكن بالفاسد في يوم من الأيّام حتّى نفكّر في إصلاحه أو نبحث عن طريقة لأجل إصلاحه . . ثمّ يقولون لمريدي الإصلاح : إذا أردتم عمل شيء من هذا القبيل فدونكم إصلاح المسلمين من حيث تعليمهم طرق المعاش وتدريبهم على الأساليب الحديثة في الصناعة والتجارة والزراعة وفنون الاختراع ، أمّا أن تعمدوا إلى الدين الإسلامي نفسه فتقدّموا وتؤخّروا فيه بزعم إصلاحه فإنّه منكر ولا نرضى به ونبذل جهدنا وأرواحنا في مقاومته ومعارضة تنفيذه . وهذه هي نقطة الخلاف التي يشتدّ عندها تقلّص الشفاه ، ويكثر في النزاع عليها صرير الأسنان . وأوّل مَن تكلّم في وجوب الإصلاح الديني الإسلامي ، أو يقال : أوّل مَن جهر به وأكثر من القول والعمل للوصول إليه هو المرحوم السيّد جمال الدين الأفغاني . ولقد سألته مرّة عن أيّة الطرق نسلك للمّ الشعث وانتشال أُمّتنا الإسلامية من هوّة انحطاطها ، فقال : لا بدّ في الوصول إلى هذا الغرض من « حركة دينية » ، قلت : بماذا ؟ قال : حركة دينية ، قلت : وما تعني بالحركة الدينية ؟ ففسّرها لي تفسيراً ينطبق على ما نسمّيه اليوم الإصلاح الديني تارةً ، والإصلاح الإسلامي تارةً أُخرى ، ثمّ قال جمال الدين : « إنّه كما استفادت أُمم الأُوربا ( كذا كان يلفظها بالألف واللام ) بحركة « لوثيروس » الدينية وإصلاحه تعاليم الديانة المسيحية ، كذلك نحن معشر المسلمين يجب علينا أن نستفيد من « حركة دينية » نقوم بها ، ويكون من أثرها إصلاح تعاليمنا وتحسين حالة اجتماعنا » ، ثم قال رحمه الله : « وليس المراد بإصلاح تعاليمنا أن نجدّد في الدين تعليماً أو نحدث فيه حدثاً لم يأتِ به نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله ، أو نحذف منه تعليماً أو حكماً أتى به ونصّ عليه ، وإنّما المراد أن نرجع في بساطة عقائدنا وسهولة تعاليمنا إلى ما كان عليه الحال في الصدر الأوّل ، فنتوسّع ما شئنا في أُمور الدنيا ومقوّمات عمرانها ، أمّا أُمور الدين فنقف عند حدوده ونصوصه وقفة عواجز ، ثمّ نسعى إلى تعلّمه وتفهّمه من أقرب الطرق وأسهلها ، فلا يقضي أحدنا عمره في تعلّم الدين تعلّماً يُقصينا عنه